فينتشانزو سوسكا(*)
ترجمة: محمد عبد النور

مدخل: بضائع معطرة بروائح مثيرة للشهوة الجنسية، مقاطع إشهارية مليئة بإيحاءات جنسية، فياغرا، كوكايين، مشروب ريدبول أو منشطات أخرى، مساحيق الوجه وجراحات تجميلية لتقويم الأجسام، تصاميم أزياء تستهدف نشر الإغراء في كل مكان في العالم، تجار مدربون على كل فنون الإثارة؛ رجال دين، عارضات أزياء، نجوم موسيقى الروك، مثقفون ورجال أعمال، كلهم متورطون في فضائح جنسية، مخيال سياسي طافح بالنزوات من إيحاءات جنسية واستعراضات فاضحة.
وعليه، فلننظر من حولنا لنجد أن علاقتنا بالجنس قد تغيرت عن سابق أحوالها(1)، لا مزيد من الشعور بالذنب حيال المشاهد الجنسية، ولا مزيد من مغبة طول الانتظار لتنفيس الرغبة، لا مزيد من الحشمة والحياء، بل وعلى العكس، لقد انهارت الجدر التي غطت على الإباحية طويلا، فنحن إذن في زمن هيمنة “الثقافة الإباحية”؛ هنا، يقف “المسار الإباحي”(2) كاستعارة بلاغية للإشارة إلى الأصول وتحريفاتها التي أدت إلى واقع صارت فيه الحياة الإباحية مادة استهلاك علني يومي.
في مرحلة ما اقتصر استهلاك المواد البورنوغرافية على فئة ذات خلفيات سوسيوثقافية محدودة العدد، ومعروفة بتوجهاتها المتجانسة وخصائصها المميزة لها: كان الأمر أشبه بقبيلة ترغم من يريد الانضمام إليها بهدف إشباع نزواته الجنسية على الخضوع لسلسة من الاختبارات لتختار بعناية عددا منهم بناء على الهوية التي يكشف عنها الاختبار، فلا يجتاز الاختبار إلا من كانت له دوافع جنسية تكسر حواجز الخجل والحياء، وتجرؤ على خوض غمار المتعة باندفاع غير واع.
لقد كان الوصول إلى فلم إباحي أو شراء شريط فيديو خليع، أو الولوج في غرفة مظلمة (Darkroom) بمثابة “طقس عبور” ضروري لإشباع النزوع نحو استهلاك الخلاعة، إلا أن هذه التقييدات النفسية والتقنية بدأت في التلاشي التدريجي منذ ستينيات القرن الماضي عند ظهور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، خاصة تقنية (الوب 2.0) التي ترافقت مع انفجار النزوات وتحلل الموانع التي طبعت الفترات الماضية ما أدى إلى أن قفزت الظاهرة من الهامش لتحتل مركز المشهد الإعلامي والثقافي المعاصر(3).
المزيد ›




د. محمد عبد النور
والديني في النطاق العربي الإسلامي خلاصته العملية جرف كل السلفيات الدينية وكل الدغمائيات العقلية، وذلك بطرح جميع المدارس المذهبية الدينية والفلسفية على أرض التاريخانية حيث العائد العملي من ذلك دحض وتفنيد كل الإحيائيات المعاصرة -غربيا وعربيا- التي وجدت لها أرضا خصبا في ظل تدهور واضح للكدح العلمي والعملي عربيا وإسلاميا(2).
أحدث التعليقات