أبعاد التدين ما بعد الحديث. مع تعقيب المترجم

تيري ماتي(*)
ترجمة: د. محمد عبد النور

لفترة من الزمن ساد الاعتقاد بأن الممارسات الدينية محكوم عليها بالزوال الحتمي في سياق العلمانية الأوروبية الكاسحة؛ لكن الذي حصل هو تخلّ عن المؤسسية الدينية أكثر من كونه تخل عن الدين ذاته؛ لقد أدّى التعدد الهائل للمعتقدات والجماعات والشبكات الدينية إلى تفكك المشهد الديني الذي اتسم سابقا بوحدته المؤسسية التقليدية الكبرى.
أما زمننا هذا فهو زمن التأرجح بين الولاءات والانتماءات الدينية التي تهيمن عليها العوامل العاطفية والانفعالية، إذ يبدو أن إنسان ما بعد الحداثة ينزع إلى اعتبار المؤسسات الدينية أماكن عبور بدلا من كونها بيتا مشتركا يتردد عليها من المهد إلى اللحد، إنه لا يعرّف نفسه بانتمائه إلى دين معين بقدر ما أصبح متطلعا إلى أشكال مختلفة من التدين(1).
عادة ما يعتبر التدين “أسلوب اعتقاد” يتجاوز المؤسسات، أو هو منفلت عنها، دون أن يكون بالضرورة معارضا لها، تدين يتجسد في أشكال وممارسات عفوية لمعتقد ما مختلفة عن نظيراتها من الممارسات الرسمية، فإذا كان جوهر ما يسمى “التدين الشعبي” البديل عن التدين السائد، فإنه يتجلى في الممارسات الدينية حتى لو كان البديل ديانة منفتحة على التعدد، أي ديانة غير توليفية، إذ يمكن ملاحظة التعايش الذاتي بين مجموعة -غير متجانسة- من الطقوس المحلية ذات غايات محددة (مثل الحماية والعلاج)، وذلك على منوال طقوس رجال الدين الكاثوليكية التي تتقاطع مع ما يعتبره البعض ممارسات وثنية.
يبتعد التدين -مابعد الحديث- عن التشكيك في المذاهب لكونه غير معني بها، كما يبتعد أيضا عن التشكيك في التدين المؤسسي الذي ما يزال بعض المؤمنين مرتبطين به، وعلى ذلك فان التدين الشعبي المعاصر يقدم نفسه كبديل للأديان المتحيزة.
حيث يجد الانسان ما بعد الحديث نفسه ضمن سياق انتشار مؤسسات صغرى تعضده وترافقه في مساءلة سعي المؤسسات الدينية التقليدية إلى لملمة شتات المجتمع وتوحيده، حيث يتجلى التدين الفئوي المصغر(2) كأسلوب رئيسي للروحانية المعاصرة من خلال قدرته على خلق أشكال وتركيبات تديّن جديدة.
لقد أدت عولمة الدين إلى انتشار مجتمعات وتقاليد ومعتقدات صادرة من كل مكان، كما أنها جذبت عددا متزايدا من أشخاص “بلا دين” ومن المنسلخين عنه ومن غير المتدينين، وذلك بحثا عن تجارب من شأنها أن تجيب عن أسئلتهم وما يحيرهم (الحزن المرض والعزلة مثلا)، أو حتى في بحثهم عن أبعاد أخرى للواقع الإنساني، في هذا السياق من المناسب تعريف التدين الفئوي الراهن بأنه ممارسة ذاتية في المقام الأول مستقلة عن منظومة اليقين الذي يمكن أن يصدر عن أي تدين مؤسسي.

1- تدين منفتح:

يكمن التجديد الجذري الذي طال علاقة الإنسان بالروحاني في تحرر المخيال العام وانفتاحه، فهو لم يعد خاضعا للمؤسسات الدينية أو الفكر السائد سواء كان عقلانيا أو علمانيا، ذلك أن الاعتقاد السائد هو التحرر التدريجي من المخيال والمعتقدات السائدة والأديان والأساطير، أي كل ما لا يُعتقد أنه ذو طبيعة منطقية، حيث تم استبدال هذه العناصر بالإيمان بفكرة التقدم، سواء على المستوى العلمي أو الأخلاقي.

وبعيدا عن أن يكون ميراثا مسيحيا، ارتبط هذا التوجه التاريخي، الذي تأكد بحلول القرن الثامن عشر، بنمط خاص في التاريخ الغربي الذي حقق القطيعة مع تراثه التاريخي، ما أضفى على التاريخ معنى متمحورا حول المستقبل ومرتبطا بعلاقة نفعية نحو الطبيعة.
إن تحول الوسط الطبيعي إلى وسيلة أداتية منذر بتحول الإنسان إلى غرض أداتي أيضا، الإنسان الذي تم اختزاله إلى “قوة عاملة” في عالم مجرد من القداسة يعطي الأولوية لإمكانات المستقبل على احتياجات الحاضر، لقد أدت عملية التأمين -تأمين الحياة المادية وما دونها من تأمينات عن الأخطار المحيطة بالإنسان- إلى تصاعد منطق تهميش الديني من الحياة اليومية، الأمر الذي انتهى انهيار تدريجي لنموذج التدين المؤسسي.

يعيش الانسان المعاصر اليوم في مجتمع يسير نحو ما بعد العلمانية معلنا نهاية العقلانية وفردية الاعتقاد، في هذا السياق أصبحنا نعيد اكتشاف الأمر، حتى ضمن الروحانيات والحكمة غير المؤمنة، بأنّ الدين أصبح بعدا من أبعاد الوجود في شموله، وأنّ الفرد أصبح خاضعا باستمرار لتأثير اللاعقلانية التي تهجم عليه من كل حدب وصوب؛ باختصار ليس الواقع ولا العقل ببديلين عن الأسطورة، -ولا المخيال ولا المعتقد- بقدر ما يشكلان جزء منها.
إذا كانت العلمنة كعملية تاريخية أسست لحدود العقلانية الحديثة، فإن ما بعد العلمنة عملية ألغت الحدود بين العقلاني وغير العقلاني، وبين المادي والروحي، وبين الخاص والعام، وهذا الإلغاء لم يشمل إلغاء حدود الدين مع الظواهر الخارجية فحسب، إنما شمل أيضا إلغاء الحدود بين التدين المؤسسي الرسمي وبين التدين الفئوي غير الرسمي.

يمتد إلغاء الحدود الرمزية والثقافية أيضا إلى ظاهرة التحول الديني والمذهبي الذي أصبح يحدث في وقت قياسي بعكس الوتيرة البطيئة التي كان عليها في السابق، إضافة إلى احتفاظ الشخص المتحول بكل مضامين تجاربه الدينية السابقة دون قطيعة.
التغير اللافت راهنا أيضا هو نزوع المؤسسة الدينية إلى التعايش مع التدين الفئوي واسع النطاق الذي أصبح غير متحكم في مدى سعة وسرعة انتشاره نظرا لطبيعته “المتشعبة”؛ لقد أفسح تراجع الانتماء الديني التقليدي المجال أمام بروز الميول الدينية التي تتسم بالعفوية، فضلا عن أشكال الاحتجاج الجماعي الفاعلة منها وغير الفاعلة التي يمكن أن تتخذ أيضا طابعا دينيا.

في حالة الإسلام في الغرب، أدى التباين الجغرافي الثقافي (والمؤسسي أيضا) إلى أفول الهوية الدينية الموروثة المتسمة بالوثوقية الجماعية، مقابل صعود واع لهوية “الميلاد الجديد” (مفهوم مسيحي حاضر خاصة عند الطائفة المعمدانية)3))، هوية تجلت أكثر بفعل ضغوط الجوار السكني في الأحياء، وترسخت بفعل غياب سلطة دينية مؤسسية مجمع عليها في الإسلام تؤدي دور الرابط الجامع لهوية المسلمين في الغرب.

يتجلى انتشار المعتقدات في تعبيرات وتجارب متعددة يمكن التعرف إليها ضمن المشهد العام للجماعات الوافدة إلى فرنسا أوالتي ظهرت داخلها، بما هي حركات دينية حديثة الظهور حملت معها ممارسات طقسية جديدة تتمحور حول طقوس الشفاء وقراءة الطالع والممارسات الباطنية والعرافة.

كما يشتمل التدين الفئوي المعاصر على تعبيرات صادرة من خارج الحقل الديني، على غرار الحفلات الموسيقية التي ينجذب إليها الفرد ما بعد الحديث لتحقيق الانتشاء بسحر اللحظة الجماعية المشتركة، بوصفها ضربا من الإشباع الشخصي الذي يضم عدة مصادر (على غرار حركة العصر الجديد(4) وأفكار التنمية الذاتية).

تسهم الطقوس والانجذاب العاطفي ضمن محفل ماسوني مثلا في تجاوز البحث الفلسفي ذي الطابع العقلي إلى ما وراءه، وكذا إعادة بناء العناصر السحرية – غير العقلانية- بما يعين الأوفياء لمعتقداتهم أفرادا وجماعات على تحقيق المعايشة الحية لإيمانهم وهي أمثلة تبرز التنوع الكبير للتدين ما بعد الحديث.

تظهر دراسات استطلاعية حول “قيم الاوروبيين” انخراطهم المتزايد في العديد من التقاليد الدينية، فهم يقبلون على جماعات دينية مختلفة ويمزجون بين المرجعيات، وفي السياق ذاته نجد عددا متزايدا من أشخاص ” بلا دين” يشعرون أنهم ” متدينون” بناء على إحساسهم بامكان تحقيق صلة من نوع خاص بالمؤسسة الدينية.

لقد جاءت مبادرة ” رواق الامم” التي أطلقتها الكنيسة الكاثوليكية عام 2011(5)، كاعتراف بالوضع الجديد للمؤسسة الدينية، واستجابة لهذا التطور قامت بفتح مساحات للقاء والتفاعل داخل المدن، مقابل ذلك فإن الأفراد الذين ورثوا إيمانهم عن طريق التقاليد العائلية لا يمكن اعتبار أصالة انتمائهم الديني إلا إذا قام على اختيار واع ومتجذر في ممارساته اليومية؛ وعليه، تجسد كل العناصر والنماذج المتقدمة عددا من السمات المشتركة لعصرنا التركيبة الخاصة بانتماء الإنسان ما بعد الحديث إلى هذا التدين المنفتح.

2- الحياة بوصفها طقسا

يفضل إنسان هذه المرحلة أن يشق طريقه الخاص بنفسه، وأن يكتشف الحقائق بنفسه أيضا، وذلك من خلال تجربه الأشياء بشكل ملموس، وكذا استعمال بداهته في التحقق، ومفضلا كل ذلك على تلقي المعرفة الصورية والمشافهة بل وحتى التأمل.
إن ما تقدم يحيلنا إلى الأهمية التي أولاها أغناطيوس دي ليولا في ممارساته الروحية للإرادة والتجربة الشخصيين، “إذ كثرة المعارف ليست هي ما يشبع الروح، إنما الشعور الباطن بالحقائق وتذوقها المباشر يحقق ذلك”، فـ”الانتماء الفكري” لم يعد شرطا أساسيا في تحقيق الاشباع الروحي، إذ أن قيمة التجربة تتحدد في أولوية الممارسة، بما هي المكانة التي أصبح يتبوؤها كل من الجسد والمعنى في هذه الرحلة الروحية.

تستند الحركات الدينية النيو.بوذية، -التي أصبح الأوروبيون يرتادونها بشكل كبير، خاصة المتعلقة بطقوس الزن والبوذية التبتيه-، على التجديد المستمر لطقوسها بواسطة نواة ثابتة من الاتباع، وهو ما يكشف عناية تلك الحركات بعنصر التجربة في هذا السياق؛ بذلك تظهر البوذية بوصفها مجموعة من المبادئ أكثر من كونها مضامين عقائدية، إذ يتعلق الأمر بالتزام ممارسات معينة (فعالية تحقيق الخلاص أو التحرر الروحي)، بدلا من الانخراط في عقيدة ناجزة وتامة مسبقا وقائمة على معيار محدد للحقيقة الدينية، حيث لا غاية أسمى من المذهب المنتحل والطقوس المتكررة والتجربة المعاشة.

يمكن مقارنه مفهوم “الحالة الروحية” في التقليد البوذي -خاصه في مذهب الزن- مع مفهوم “الحديقة اليابانية” [في ديانة الشنتو]، حيث الطبيعة المتسمة بأنها فاتنة وثابتة، وهي ذات الطبيعة الهشة التي تحتاج إلى العناية الفائقة من طرف البستاني، وعلى المنوال نفسه يجب أن يجتهد الاتباع يوميا للحصول أو للحفاظ على أفضل حالة روحية ممكنة، لذلك فإن الأمر متعلق بسلوك يومي أكثر من كونه متعلقا بطبيعة الاعتقاد، ذلك أن الممارسات الروحية التي يُستفتح بها اليوم تؤدي دور الأداة أو الوسيلة في تطوير الذات.
ما تقدم عن البوذية ينطبق أيضا على الإسلام كما يمارس في الغرب، بوصفه شعائر تؤدى اختياريا وبشكل واع، حيث يشهد الانجذاب إلى ممارسة الشعائر الإسلامية التي تتمحور حول الصلوات اليومية الخمس على وجود رغبة في تحقيق تدين مبني على تجربة معاشة بطريقة حسية، فمن خلال التزامه وقدرته على التعبير عن تجربته للآخرين، يسعى المسلم الغربي إلى إيجاد معنى لواقعه المعيش ويشير به -من خلال سردية شخصيه مصغرة- إلى غياب سرديات توحيديه كبرى عند المسلمين.

تكمن أهمية الممارسة في التدين الذي تؤدي فيه الطقوس (الشعائر) دورا محوريا، حيث تستدعى الجوانب الجمالية والرمزية في الممارسات لإضفاء السحر على الحياة اليومية، ودلالة السحر:” ترديد تعاويذ راقية شعريا – ذات رونق أسلوبي وبعد عجائبي-“.
تتيح الطقوس، كونها تجربة متجددة، إمكان الإحياء المستمر للشعور الأصلي، وفي الوقت نفسه تجدد الجماعة الروحية من خلالها قيمه المساواة بين الجميع غنيا وفقيرا ومن جميع الأصول، حيث تحقق الطقوس التي يؤديها المشاركون في حفل ما بشكل جماعي قيمه المساواة.

يعد “البعد الشعوري” عنصرا أساسيا في الأشكال الجديدة للتدين، من حيث الشدة والتميز والإحساس بعمق الانتماء للعالم والآخرين، إذ أن غاية الإنسان ما بعد الحديث هي الوصول إلى معايشة المشاعر وتحقيق الانتشاء؛ تتجلى الجاذبية المعاصرة لـ”الشعوري” خلال اليوم العالمي للشباب (JMJ) كمناسبة زاخرة بالمشاعر الجماعية، وكتجربة مشاركة للحظات الفوران، تتخطى حدود الطقوس المعتادة، بفعل حماسة ورغبات المشاركين.

كما يمكن أيضا إدراج الحفلات الليلية الصاخبة وحفلات التكنو ضمن السياق الديني، بفضل طبيعتها الجذبية التي تصهر الجميع في قالب عاطفي موحد؛ حفلات تتخللها لحظات انتشاء عارم تفصل الانسان عن ذاته الحقيقية، كما يبدي المشاركون استعدادهم التام لقبول الانجذاب إلى جو الانتشاء والانصهار التام في المجموعة.

تستند وضعية المناخ الفكري العامة المميزة للفرد المعاصر إلى علاقة من طبيعة جديدة مع المؤسسات الدينية، المؤسسات التي أصبحت تمثل -وبشكل متنام_ دور الوسيط بين الفرد والمجال الروحي أكثر من كونها أطر يجب الخضوع لها.
لقد أصبحت المؤسسات الدينية مؤسسات مرافقة للفرد وظيفتها الأسمى أن تشكل مصدرا للمعنى ووسيطا يمنح الشرعية، فقد أصبح الإنسان المعاصر خاضعا لها ومعتمدا عليها دون أن يشعر بتبعيته لها ولا أنه مدين لها، لذلك تبدو العلاقة مع “قائد روحي” شرطا ضروريا -بديلا عن المؤسسة-للدخول في تجربة دينية حقيقية تقوم على بناء علاقة بين الشيخ والمريد، خاصة في البوذية التّبتية.

ينظر الآن إلى المعلم الروحي باعتباره مستودعا للمعنى، لا بوصفه حائزا على معرفة أو مالكا لحقيقة مقدسة، حيث المطلوب منه -كمعلم روحي- نقل تجربته، وبتعبير أدق تبني طريقة أو منهج ينقلها إلى المريد، بدلا من نقل مضامين عقائدية ناجزة وتامة، وذلك حتى يتمكن المريد من اكتساب خبرته بنفسه؛ ومن الأمور المعتبرة في المعلم أيضا، سلوكه اليومي والكاريزما التي تدل: أ- على أن المعلم الروحي هو “الشخص المناسب” في الوقت المناسب، بوصفه مثالا يحتذى به في الحياة، ب- وكذا المرجع الذي يمثل تقليدا راسخا، بينما المؤسسة هي التي تضفي الشرعية على المعلم المؤهل -الذي كان مريدا- لنقل تجاربه هو الآخر.


3- الترحال الروحي:

في عصر ما بعد الحداثة لا يخضع الأشخاص إلى أحكام حدّية في تدينهم، مثل أحكام الانسلاخ عن الدين أو الاهتداء الديني الخالص، فالمرء لا يكابد القطيعة المطلقة مع الدين، ولا يعايش الالتحام التام معه؛ لقد أضحى إنسان ما بعد الحداثة مترحلا في تدينه، يبحث عن “ملاذات وجودية” يستريح فيها برهة قبل استئناف المسير، لذلك فقد يصادف أنه يفضل التكتم عن محطاته الروحية فلا يفصح عنها، لكنه يبقى دائما مستمسكا بصفه السائر في الطريق.

في هذا السياق، يعد مفهوم الترحال الوجودي وصفا مناسبا للوضع الديني الراهن، المقابل لسكونية الإيمان والاهتداء التقليدية، لقد أحيا الترحال الديني الوجودي نمط الحياة العتيق في ذات الوقت الذي يساير فيه التقدم التقني الفائق، إذ لا يستنكف أصحاب هذا النوع الجديد من التدين من قطع المسافات الطويلة بحثا عن نقطة استقرار، حقيقية كانت أو رمزية.

فالمترحل يرغب في ممارسه تدينه دون الانتماء إلى أي هيكل مؤسسي محدد، محتفظا دائما بإمكان التراجع عن مساره الروحي، فليس الأمر متعلقا بخيار نهائي بقدر ما هو متعلق بتجارب ذات طابع يومي، وذلك باستبدال المقولة العتيقة “كن ما أنت عليه” بمقولة “كن ما ستصبح عليه”، ذلك ما سيؤدي إلى تغيير عميق في الهوية الفردية للإنسان ما بعد الحديث.

يقوم التزام المتدين المعاصر على طبيعة متقطعة وتجزيئية – غير كلية-، فهو يفضل التفاعل مع حدث ما أو لحظة مميزة على أن ينخرط في التزام هيكلي ثابت، إنه يفضل التركيز على التجارب المفردة بدلا من التقيد بإطار بنيوي يجد أنه ملزَم بتبني كل جوانبه طيلة حياته.

هكذا، يمثل الحج إلى سانتياغو دي كومبوستيلا(6) نموذج تدين مثير للاهتمام في عصرنا، إذ يزور المدينة الدينية المتدينون وغير المتدينين على حد سواء ودون أدنى صيغه إلزام او يقين ديني؛ فهو مثال على ما طال هوية المترحل المعاصر التي لم تعد قابلة للتعريف التقليدي لكونها غدت هوية تعددية، تعدد تجاربه وتفاعلاته، وتعدد انتماءاته وممارساته وحتى تعدد معتقداته أحيانا؛ نحن إذن أمام وفرة من المسارات الشخصية والتكتلات الجماعية العابرة الساعية وراء المعنى، في ذات الوقت الذي تقوم فيه التكتلات على المشاركة الوجدانية والأخلاقيات المشتركة.

إذ بهذا يكون قد تم تعويض المظاهر الدينية التقليدية بتدين يتجلى في مختلف الاعتقادات الممكنة عن وازع داخلي وروابط شعوريه مشتركه؛ إن سياق هذه الانشقاقات الوجودية الدينية لا يعكس سوى حالة تفكك يعرفها الهيكل الاجتماعي العام، يكشف عنه سواد الطابع المجهري للتكتلات الجماعية التي تتكتل في معازل وشبكات، وتلتحم في روابط اجتماعية حرة، كما تشكل لنفسها قيما جديدة خاصة بها، وتنتخب أجوارا رمزيين لها في العالم تختارهم.
كل ذلك، أدى إلى تشكل هوية مشتتة للإنسان ما بعد الحديث، هوية تعددية غير متجانسة تتجسد كلملمة تجميعية لـ”الأنا” المشتتة والباحثة عن معنى يعايش حسيا، أكثر من بحثها عن معنى مصاغ نظريا، والباحثة أيضا عن روابط حية وفاعلة أكثر من كونها روابط جامدة وصماء.

——————–

الهوامش:
(*)- ورد مقال تيري ماتي في الكتاب الجماعي حول الإنسان مابعد الحديث، مجموعة من المؤلفين، بإشراف ميشال مافيزولي وميشال بريس، بمشاركة مركز البحث في اليومي والراهن (CEAQ) جامعة باريس5، ضم الكتاب 13 بحثا ومقالا من أعضاء مركز البحث (CEAQ) والذي أسسه ويترأسه ميشال مافيزولي، عالم اجتماع فرنسي منظر مابعد الحداثة في فرنسا. والمترجم: د. محمد عبد النور أستاذ علم الاجتماع بجامعة غرداية، الجزائر، انتمى سابقا إلى مركز (CEAQ)، ترجم أيضا كتاب مدخل إلى علم اجتماع المخيال، الصادر عن المركز العربي بالدوحة 2018، لكاتبته فالتنينا غراسي الباحثة في مركز (CEAQ)، معلومات المقال المترجم:
Thierry Mathé; Démentions de la religiosité postmoderne; p119-128 dans: Michel Maffesoli et Brice Pierre avec la participation du CEAQ; l’Homme Postmoderne; Francois Bourin Editeur; Paris 2012.

(2)- ترجمتُ كلمة (religiosité) بعبارة “التدين الفئوي” وذلك لكونه في مفهومات مافيزولي الرئيسة ولأن دلالته عنده تتوسط المؤسسية التقليدية الآفلة والفردانية المطلقة الآفلة أيضا حسب مافيزولي حيث العصر الراهن عصر عودة القبيلة بمفهومها العتيق بما هو جماعاتية صغرى. (المترجم)

(3)- تعتبر الكنيسة المعمدانية أكثر الطوائف المسيحية تاكيدا على مفهوم “الولادة الثانية” أو “الميلاد الجديد”، المفهوم المقترن بالتغطيس في الماء الذي يحمل دلالة موت الإنسان القديم ودفنه ثم الخروج من الماء كانسان ولد من جديد. (المترجم)
(4)- حركة العصر الجديد أو New Age هي تيار فكري روحاني أقرب الى اللادينية يعتبر خليطا انتقائيا من الفلسفات الشرقية، والروحانيات الباطنية، وعلم النفس الحديث، والعصر الجديد معتقد مستمد من علم التنجيم ونصه أن البشرية الراهنة تعرف انتقالا من عصر الحوت (عصر الأديان المنظمة والقيود) إلى عصر الدلو (عصر الاستناره الروحيه والسلام العالمي والوعي الفردي الكوني) (المترجم)

(5)- مبادرة أطلقها المجلس البابوي لفتح قناة حوار بين المؤمنين المسيحيين وغير المؤمنين (من الملحدين واللاادريين والعلمانيين) بهدف كسر العزلة وإنهاء الصدام وعدم الإعتراف، وكذا مناقشة القيم الكبرى بلا غاية تبشيرية او إقناعية.

(6)- مدينه إسبانية – تقع في إقليم غاليسيا-، تعتبر ثالث أهم مزار ديني مسيحي في العالم بعد القدس وروما، في كاتدرائيتها يقع ضريح القديس يعقوب بن زبدي، أحد حواريي النبي موسى عليه السلام، الذي نقل جثمانه من فلسطين إلى مدينة سانتياغو دي كومبوستيلا بعد إعدامه عام 44م -حسب الروايات-؛ شهدت المدينة عام 2024 عدد حجاج قارب نصف المليون زائر ممن نالوا “شهادة الكومبوستلا” التي تثبت قطعهم مسارا طوله على الأقل 100كلم مشيا إلى الكاتدرائية، وهي حسب سياق النص لم تعد مجرد مزار للمتدين التقليدي بل غدت محجا يستقطب كل باحث عن تجربة روحية مرتبطة بالتأمل والرياضة البدنية فضلا عن كونها سياحة ثقافية. (المترجم)

———————————————————–

المقال التعقيبي للمترجم

التدين الفئوي، هل هو أمر ممكن في الإسلام؟
تعقيب على الدراسة المترجمة: أبعاد التدين ما بعد الحديث(*)


انطلق تيري ماتي من تقرير حقيقة محورية في دراسته وهي أن الإنسان ما بعد الحديث، وعلى عكس ما كان متوقعا، لم يتخلّ عن التدين، إنما تخلّيه كان المؤسسة الدينية التي تشرف على الدين وتمثّله، ونتيجة لذلك تفتّت التدين فاستحال إلى تعددية كبيرة جسدتها ظاهرة “التدين الفئوي”، أو قل الجماعاتية الدينية الصغرى، التي تقع بين الفردية والمؤسسية، فلا هي فردية خالصة حيث ارتباط التدين بالجماعية، ولا هي مؤسسية خالصة حيث يتحول التدين إلى ضرب من الشعائر والطقوس التي لا روح فيها.

طبعا المؤسسة الدينية ما تزال حاضرة، لكنها وبفعل توسع ظاهرة التدين الفئوي أصبحت مجرد “أماكن عبور” بعد أن كانت الغاية من ارتيادها تقديم الولاء والخضوع، أصبحت “أماكن عبور” لكونها مكانا مناسبا لممارسة الشعائر والطقوس التي هي وقود التجارب الدينية الفردية، فالحاجة إلى المؤسسة الدينية انتقلت من كونها مركز لإثبات الولاء والخضوع إلى كونها أداة ووسيلة لتلبية الحاجة الفردية للتدين، فهي لم تعد بيتا يفرض على الفرد زيارته دوريا، بقدر ما أصبح ارتياده خاضعا للحاجة الفردية.

ولعلها الحقيقة التي تطابق الحال التي عليها واقع التدين في العالم الإسلامي اليوم، فسواء تعلق الأمر بالمؤسسات الدينية الكبرى أو الصغرى(1)، فإن المؤكّد أن الهيكل المؤسسي لم تعد له الهيمنة الكلية على الفرد، بل أصبحنا نلاحظ بوضوح أن الفرد يرتاد المسجد(2) بدافع الانجذاب إلى أداء الصلوات المفروضة أو طلب فتوى بخصوص أمر ديني أو دنيوي، وكذا ما تعلق بالمؤسسة الدينية من تعليم ديني، سواء تعلق الأمر بالدروس المسجدية أو تعليم الناشئة أساسيات التدين من حفظ المتون ومبادئ التدين العملية من تعليم الصلاة إلخ، وحتى إعلان الدخول للإسلام في المساجد خاصة في البلدان غير المسلمة، حيث الواضح خصوصية المؤسسة الدينية في الإسلام هو احتفاظها بحد أدنى من التواجد في الحياة الفردية كمؤسسة لتحقيق أدنى حدود التدين، بعكس التدين الفئوي الكاثوليكي كما عرضه ماتي حيث ضعف الارتباط بالمؤسسة الدينية إلى درجة تحولها إلى مجرد حالة شبه متحفية.

وعلى حقيقة أن النزوع نحو التدين في العالم الإسلامي أخذ الطابع الفردي -بديلا عن التدين الفئوي كما وصفه ماتي-، باعتبار أن التدين الفردي حالة غير ممكنة في النموذج الكاثوليكي، وذلك لارتباط النصرانية الشديد بالمؤسسية وانقطاعها عن النص المتعالي وارتباطها أيضا بحتمية التجسد روحيا، فإن فردانية التدين الإسلامي هي بالجوهر ممكنة وذلك لتعالي النص المؤسس أولا، حيث يمكن للفرد أن يتعامل مع النص تلاوة وتطبيقا دون ارتباط بأي نموذج تاريخي أو نص إنساني، فالمتفق عليه إسلاميا هو خلود النص القرآني بفضل الحماية الإلهية له بما يجعل منه مؤسسة قائمة لذاتها، وكذا الطابع المتعالي للمؤسسة الدينية حيث المؤسسة في الأصل الإسلامي أداة للارتقاء الروحي، بما هو الوصل بين العالمين الأرضي والغيبي.

وعلى ذلك، فإن العالم الإسلامي لا يعدم وجود “تدين فئوي” منتشر على نطاق واسع، لكن المفارقة أنه غير نابع من الظروف ما بعد الحديثة ولا بيئتها، بل هو نابع ظروف لقاء التقاليد الحنيفية بتقاليد الأفلاطونية المحدثة، حيث صلة الوصل بين التقليدين الفئويين الإسلامي الراهن والغربي ما بعد الحديث، هو صدورها عن مبدأ الفيض الأفلوطيني، وحيث الحنيفية الأصلية متمنّعة عن الفيض، لكونها صادرة من نص متعال المصدر، بما هو الإله متكلم للإنسان عن طريق النص، مقابل الأفلوطينية بوصفها صادرة عن تصور إنساني للإله، ذلك أن المبدأ الحنيفي المؤسس هو نفي صدوره تصور للذات الإلهية عن العقل الإنساني، وهذا ما يجعل من كونية الإسلام ممكنة، وبالتالي نفي “التدين الفئوي” التاريخي عنها.

فرغم كون الجذر المؤسس للتدين الفئوي الطرقي، بصيغه القديمة والمحدثة(3)، نابع من ما أصاب الفكر الديني في الإسلام عموما من تفتت وتشتت بفعل التراجع الحضاري، والانكفاء على الذات المحلية التي ألغت الانتساب الكوني للسنن المحمدية الشعائرية والتشريعية، تماما كما ذهل المسلمون عند بداية انحدارهم عن جذورهم الحنيفية التي بفضلها حصلت الفتوح، إلا أنه وجد وصلا بالتدين الأفلوطيني المسيحي الزاهد، إما زهدا في الرفاه المادي أو زهدا في الشوكة السياسية، فضلا عن الفهم المبتور لمفهوم التسامح الديني كما سأعرض لها.

حيث أكد تيري ماتي على أن الإنسان ما بعد الحديث لا يعرف نفسه بالانتماء إلى دين معين، وأنه يتطلع إلى أشكال مختلفة من التدين، وأنه تدين بعيد عن التحيز، ذلك أن عولمة الدين منعت المؤسسة الدينية من احتكاره، وأنها -أي العولمة- اختزلت الدين إلى مجرد تعبير عن “حيرة وجودية”، ثم أسقطت جدار الفصل بين المؤمن وغير المؤمن، وجعلتهما على قدم المساواة، وأخيرا تسببت عولمة الدين في القضاء على منظومة اليقين، اليقين الإيماني الذي هو في الأصل رغبة مؤسسية، حسب ماتي.

كما نظّر ماتي لتدين من دون حدود، ولتدين فردي وفئوي يجمع بين شعائر وطقوس وعقائد أديان عدة في الآن ذاته، بله تدينا لا يفرق بين المؤمن به وغير المؤمن، ثم انتهاء إلى تنحية مبدأ اليقين من التدين، فخلص كما تقدّم إلى أن يكون مجرّد حيرة وجودية تنتاب المؤمن يعالجها بشكل انتقائي كل مرة، بينما “الحيرة الوجودية” في الحنيفية الإسلامية ليست إلا بداية الطريق نحو اليقين الإيماني، الذي يتطور بناء على مسار يتناوب بين اليقين والشك، لكن في نسق تصاعدي، أعني دون مراوحة صفرية، ذلك أن التصور الاختزالي الذي طرحه ماتي عن الدين هو الذي يؤدي إلى المراوحة غير المجدية، حيث يمكن قراءة ذلك من منظور الإسلام، كما يلي:

1- القول بالتدين دون الانتماء لدين ما يخرم مفهوم الدين ذاته، رغم أن الإسلام من حيث كونه دينا يلغي الدين كتصورات كلية وجمعية مسبقة، ويبني التدين على الفرد، ثم يبنيه أيضا على تعامل ذلك الفرد مع الجزئيات العينية التي تطال حسه مباشرة، باعتبار التحقق والتثبت الحسي الدليل على عقلانية الإيمان.

2- التدين بالأخذ من خارج الدين الواحد يخرم ادعاء التدين، لكون الدين يطرح نفسه كمقترح وحيد، رغم أن الإسلام في الجوهر هو خلاصة للأديان السماوية منها والإنسانية، ويشمل استباق كل مفهوم ديني يمكن أن يصل إليه البشر لاحقا، باعتبار مصدريته المتعالية المهيمنة على الإنسان.

3- عدم التمييز بين المتدين والملحد، باعتباره إنهاء سفسطائيا غير مباشر للدين، على أن الإسلام من حيث المبدأ هو قطيعة مبدئية مع الأديان بصيغة: “لا إله”، ثم إثباتا له بحسب التصور الحنيفي عنه: “إلا الله”، لذلك كان الإسلام خروجا عن كل الموروث الديني السابق، بما هو طبيعة في الأديان السابقة، وأنه دين فتح طريقة جديدة للتدين أكثر ارتباطا بالفطرة الطبيعية القائمة على الحس والخلو من المسبقات الصورية.

4- تعريف التدين بكونه حيرة وجودية مبتدأ ومنتهى، بينما الإسلام يعتبر الحيرة الوجودية ضرورية، سواء كلحظة ابتدائية للدخول إلى الإيمان الإسلامي، وباعتباره لحظة دورية تنتاب المؤمن كل مرحلة لتنقله من مستوى إلى مستوى أعمق كل مرة: قال النبي “إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق”.

بعد ذلك، أورد تيري ماتي ذكر الإسلام مرتين في سياق المقال، أورد في الأولى أفول الهوية الدينية الجماعية لمسلمي الغرب المتسمة بالوثوقية الجماعية حسبه، وصعود هوية بديلة هي هوية “الميلاد الجديد”، الهوية ذات الأصل المعمداني، والتي ترسخت أكثر بفعل ضغوط الاندماج في الجوار السكني لمسلمي الغرب، وكذا غياب السلطة المؤسسية الدينية المجتمع عليها، ولو من داخل ديار الإسلام.

أما الثانية فأشار بها إلى انجذاب المسلم لأداء الصلوات اليومية بوصفها رغبة في تحقيق تدين مبني على تجربة معيشة بشكل حسي، وبوصفها مبرزة له كفرد ممثلا لهوية يظهر بها خصوصيته أمام الآخرين، وكذا يجد بها معنى في واقعه الفردي في ظل غياب سردية جماعية كبرى توحد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

أما ما تصوره تيري ماتي بأنه خاص بالطائفة المعمدانية، أي فكرة الميلاد الجديد، فهو متعلق باشتباهه بفكرة التجدد الذاتي في الإسلام، بما هي العلاقة بين التجربة الروحية القائمة المعايشة الحسية والعينية باعتبارها اختبار للوجود والحقيقة الدينية، على غرار التجربة الإبراهيمية في البحث عن الذات الإلهية (هذا ربي) واليقين الإيماني (أرني كيف تحي الموتى؟)، فهي تجارب تحقق وتحري مستمرة، لا تحصل مرة واحدة فقط لتحرر المتدين من إيمانه الوراثي إلى الإيمان التحقيقي، كما في المعمدانية، إنما تحصل باستمرار مع المتدين المسلم في الحالة السوية.

أما اعتبار ماتي بأن انجذاب المسلم لأداء صلواته الخمس، بوصفها حالة تحقيق حسي مستمر لهويته فينسجم مع طبيعة الإسلام الاختبارية، اختبارا تبادليا بين الإنسان والرب، حيث الإنسان يختبر الحقائق الدنيوية بحسه تماما كما يطلب منه تحقيق الحقائق الدينية حسيا عبر الالتزام بشعائر محددة ومتفق عليها، بينما قوله بأن التدين الفردي تعويض عن غياب الهوية الجماعية المؤسسية، فقائم على إدراك مجتزأ عند ماتي للعلاقة بين الفردي والجمعي في الإسلام، وهو أن مجرد التنزيل الفردي للشعائر عند الفرد يكون قد حقق الجماعية المؤسسية بطريقة غير معلنة وآلية، وغير ظاهرة إلا بعد التحقق الطويل والعريض بأن الفرد المسلم في أقصى الشرق يقوم بذات الشعائر التي يقوم بها فرد مسلم آخر في أقصى الغرب، ما يعطي للشعائر الموحدة في الإسلام -بفعل التبعية الحتمية للتأسيس المحمدي لها- بعدا جديدا لمفهوم المؤسسية غير وارد في أدبيات الحداثة وما بعدها، يمكن أيضا إسقاطه على مختلف الجوانب المؤسسية في مجتمعات الإسلام لاستكشاف وحدتها المؤسسية التطبيقية دون أدنى الحاجة إلى هيكلية تنظيمية صناعية، ولأن التطبيقية صادرة عن توارث تربوي وعملي مباشر ينتقل من جيل إلى جيل، مع وفرة نصوص مرنة متداولة حول الشعائر والممارسات التطبيقية على المستوى النخبوي نابعة من التراث النبوي ذاته.

أخيرا، فإن سياق التدين ما بعد الحديث كما طرحه ماتي في دراسته، يلتقي مع السياق الإسلامي من الناحيتين التاريخية والمعيارية، أما من الناحية التاريخية فقد تبين كيف التقت حركات التدين الفئوي المتمثلة في الطرقية بوجهيها الصوفي والسلفي، ووجهيها الحديثين التبليغي والقرآني، لقاء الحنيفية بالأفلاطونية المحدثة، ومن الناحية المعيارية فإن التدين ما بعد الحديث التقى مع المعيار الإسلامي الرئيسي في الإسلام وهو المعيار الحسي القائم على التجربة المعيشة بوصفه عمود التجربة الدينية في الإسلام، ما يجعل من الطرح ما بعد الحديث مدخلا مهما في فهم التجربة الدينية الإسلامية وصلتها بالتجربة الدينية ما بعد الحديثة، فمن جهة كونها تعبيرا عن أفول المؤسسية الدينية في الغرب، في ذات الوقت باعتبارها المدخل الأمثل للتدين الإسلامي الجامع بين الفردية الصرفة والمؤسسية المتشكلة عفويا بين مسلمي المشارق والمغارب. والله أعلم وأحكم د/ محمد عبد النور 08/03/2026

————————

(*)- تيري ماتي، أبعاد التدين ما بعد الحديث، ترجمة: محمد عبدالنور، نشرة الفكر الصادرة عن منتدى مسالك المعرفة (https://shorturl.at/KRnKQ)، العدد الخامس، مارس 2026

(1)- في العالم الإسلامي والعالم العربي خاصة مراكز مؤسسية دينية كبرى عابرة للدول وهي: مكة والمدينة في الحجاز، الأزهر في مصر، الزيتونة والقرويين في المغرب الكبير، وعلى ما تعرفه تلك المؤسسات اليوم من انخفاض حاد في منسوب التأثير خاصة ما تعلق بالمواقف السياسية حيث هيمنة الدولة المدنية على القرار، فضلا عما تبقى لها من جزء يسير من الاستقطاب في مجال التعليم الديني خاصة المدينة المنورة والأزهر التي ما تزال تستقطب طلابا من أنحاء العالم الإسلامي، فضلا عن الجامعات الإسلامية الملحقة بالنظام التعليمي الأكاديمي، وهو ما يشمل أغلب الدول العربية، ثم من بعدها المؤسسات المسجدية الكبرى على غرار جامعي الجزائر الأكبر ومسجد الدار البيضاء، فضلا عن مساجد دول الشرق والشرق الأقصى الإسلامية وغير الإسلامية وصولا إلى مسجد باريس، ثم مراكز الإفتاء ومواقيت الأعياد إلخ.. وانتهاء إلى مساجد الأحياء الصغرى والكبرى، ثم المصليات التي تتواجد في الأماكن والمؤسسات العامة والخاصة، المفتوحة خصيصا لأداء الصلوات مع حضور لدروس الوعظ الديني في بعض أصنافها بشكل متقطع أو مستمر، فضلا عن المساجد الجامعة التي تؤدى فيها الجمع الأسبوعية، دون إغفال المراكز الثقافية الدينية الإسلامية في العالم عامة التي تحتضن نشاطات دعوية وفكرية إلخ، وأغلبها مؤسسات تزاوج بين الشعائر وتقديم خطاب ديني توجيهي عام، حيث اعتبر شريعتي أن المساجد مكان خام يمكن أن يكون في حالة نشاط دائم دافع للنهوض، وذلك للشرعية التأسيسية التي تحوزها المؤسسة الدينية سواء في التصريح القانوني أو قلوب المؤمنين.

(2)- أو ما شابهه من الزوايا والتكايا والمحاضر والحوزات والحسينيات، على ما في تلك المؤسسة من قرب وشبه بالتدين الفئوي المقصود في دراسة تيري ماتي، وذلك لبعض المميزات المماثلة للتدين ما بعد الحديث الموجود في تلك المؤسسات من قبيل الانفعالية والاستقلالية، ذلك أن القاعدة تتمثل في ترابط المساجد ذات الهيكل الموحد ترابطا يقوم على تشابهها ومهمتها الموحدة، المتمثلة في أداء الشعائر والإفتاء، والتعليم الديني يغيب ويحضر، لكن بالنسبة للمؤسسات المذكورة تضيف إلى السمة الموحدة بعض الميزات الترابطية بين مريديها وتؤسس استقلاليتها التي غالبا ما تتمحور حول شخصية تفرض سلوكها وتفكيرها على أتباعها..

(3)- الصيغ الطرقية للإسلام متعددة الأطياف ومتباينة في استيعابها للحنيفية، فقد تراوحت بين الباطنية العنيفة على غرار الإسماعيلية والحشاشين والمريدية الطرقية الطقوسية، والتي تباينت في سعة الانتشار أو ضموره، فضلا عن تراوحها بين العناية بالتربية الصوفية أو العناية بالتصوف الفلسفي، ومعضلتها المؤسسة مسألة الفهم المغلوط لمبدأ التسامح وسحبه من التربية إلى الجانب المعرفي، وقطع صلة المعرفة العقلية بالأثر السياسي الواقعي، وهي نفس معضلة الطرقية السلفية التي تراوحت بين التوجه العنفي والتوجه العلمي، ومعضلتها المؤسسة المتمثل في عدم النظر إلى التدرج الواقعي والانكفاء عن الفعل السياسي واختزال الدين في الشعائر، فضلا عن جماعات التدين الفئوي التي تعاني من الاختزالية على غرار جماعة التبليغ الذاهلة عن منطق الشوكة في الإسلام والتي هي أميل إلى الطرقية الصوفية التي تأسست في ظروف الفاقة المادية، وجماعة القرآنيين الذاهلين عن منطق الزهد، وهم أميل إلى الطرقية السلفية التي تأسست في ظروف الرفاه المادي.

داخل ترجمات
مارس 2026
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031  

الأرشيف

أحدث التعليقات

    إحصائيات الموقع

    221183
    اليوم : 101
    الأمس : 123
    هذا الشهر : 2890
    هذا العام : 15441
    مشاهدات اليوم : 137
    مجموع المشاهدات : 610490
    المتواجدون الآن : 1