أبعاد التدين ما بعد الحديث. مع تعقيب المترجم

تيري ماتي(*)
ترجمة: د. محمد عبد النور

لفترة من الزمن ساد الاعتقاد بأن الممارسات الدينية محكوم عليها بالزوال الحتمي في سياق العلمانية الأوروبية الكاسحة؛ لكن الذي حصل هو تخلّ عن المؤسسية الدينية أكثر من كونه تخل عن الدين ذاته؛ لقد أدّى التعدد الهائل للمعتقدات والجماعات والشبكات الدينية إلى تفكك المشهد الديني الذي اتسم سابقا بوحدته المؤسسية التقليدية الكبرى.
أما زمننا هذا فهو زمن التأرجح بين الولاءات والانتماءات الدينية التي تهيمن عليها العوامل العاطفية والانفعالية، إذ يبدو أن إنسان ما بعد الحداثة ينزع إلى اعتبار المؤسسات الدينية أماكن عبور بدلا من كونها بيتا مشتركا يتردد عليها من المهد إلى اللحد، إنه لا يعرّف نفسه بانتمائه إلى دين معين بقدر ما أصبح متطلعا إلى أشكال مختلفة من التدين(1).
عادة ما يعتبر التدين “أسلوب اعتقاد” يتجاوز المؤسسات، أو هو منفلت عنها، دون أن يكون بالضرورة معارضا لها، تدين يتجسد في أشكال وممارسات عفوية لمعتقد ما مختلفة عن نظيراتها من الممارسات الرسمية، فإذا كان جوهر ما يسمى “التدين الشعبي” البديل عن التدين السائد، فإنه يتجلى في الممارسات الدينية حتى لو كان البديل ديانة منفتحة على التعدد، أي ديانة غير توليفية، إذ يمكن ملاحظة التعايش الذاتي بين مجموعة -غير متجانسة- من الطقوس المحلية ذات غايات محددة (مثل الحماية والعلاج)، وذلك على منوال طقوس رجال الدين الكاثوليكية التي تتقاطع مع ما يعتبره البعض ممارسات وثنية.
يبتعد التدين -مابعد الحديث- عن التشكيك في المذاهب لكونه غير معني بها، كما يبتعد أيضا عن التشكيك في التدين المؤسسي الذي ما يزال بعض المؤمنين مرتبطين به، وعلى ذلك فان التدين الشعبي المعاصر يقدم نفسه كبديل للأديان المتحيزة.
حيث يجد الانسان ما بعد الحديث نفسه ضمن سياق انتشار مؤسسات صغرى تعضده وترافقه في مساءلة سعي المؤسسات الدينية التقليدية إلى لملمة شتات المجتمع وتوحيده، حيث يتجلى التدين الفئوي المصغر(2) كأسلوب رئيسي للروحانية المعاصرة من خلال قدرته على خلق أشكال وتركيبات تديّن جديدة.
لقد أدت عولمة الدين إلى انتشار مجتمعات وتقاليد ومعتقدات صادرة من كل مكان، كما أنها جذبت عددا متزايدا من أشخاص “بلا دين” ومن المنسلخين عنه ومن غير المتدينين، وذلك بحثا عن تجارب من شأنها أن تجيب عن أسئلتهم وما يحيرهم (الحزن المرض والعزلة مثلا)، أو حتى في بحثهم عن أبعاد أخرى للواقع الإنساني، في هذا السياق من المناسب تعريف التدين الفئوي الراهن بأنه ممارسة ذاتية في المقام الأول مستقلة عن منظومة اليقين الذي يمكن أن يصدر عن أي تدين مؤسسي.

المزيد ›

داخل ترجمات

تكوينية الابستمولوجيا الخلدونية ومكانة العنصر القيمي ضمنها

د/محمد عبد النور
قسم علم الاجتماع/ جامعة غرداية

تسلم المداخلة(*) بأن موضوع القيم، هو موضوع العلوم العملية المسماة اليوم بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، وأن تأسيس ابن خلدون لها جاء بعد تأسيسين مهمين هما: تأسيس أرسطو لعلوم الطبيعة، وتأسيس ابن تيمية للمعرفة النقدية النظرية، أي أن ابن خلدون وفكره حصل بعد تمام النظر تأسيسا لمبادئه أرسطيا ونقدا لميتافيزيقاه تيميا. المزيد ›

داخل الملتقيات

نقد ميتافيزيقا السببية الطبيعية والعقلية عند بيرس

“العفوية الخالصة” مخرجا من التصور الميكانيكي وتفسيرا للتنوع الطبيعي.
وفي أن أصل السببية عقلي بالجوهر والترابط العلي في الطبيعة فرع عنه.
في كتابه “فحص مبدأ الضرورة” 1892، حاجج بيرس ضد مبدأ الضرورة في السببية، المبدأ الذي يعد المسلمة الرئيسة في التفكير العلمي، والتي تنص على أن حالة الأشياء في أي زمن وبفعل القوانين الثابتة تحدد بشكل مسبق وتام حالة نفس تلك الأشياء في أي لحظة زمنية أخرى(*).
وبناء على أن مبدأ الضرورة السببية هو ضرب من التفكير الميكانيكي الذي يعتقد أن الطبيعة ميكانيكية أيضا، في وجودها عبر الزمن، قرر بيرس أنه مبدأ يتعارض مع حقيقة التنوع الموجود في الطبيعة وتعقيدها المتزايد، إذ من غير الممكن أن ينتج قانون الضرورة لوحده كل التنوع الذي نعرفه في الطبيعة، وأن نتيجة تفاعل العناصر والمتغيرات فيما بينها وتأثيرها على بعضها البعض معروف مسبقا وبدقة.

المزيد ›

داخل شروح

تفاعل حول كتاب أسس العلوم الاجتماعية..

أولا: إشكالية العلاقة بين الهويتين الطبيعية والتاريخية 
سؤال: استفسر بشأن حدود الاتصال والانفصال بين الطبيعي والثقافي لتفسير تطور الظاهرة العمرانية في ظل ثنائية التفاعل الأداتي والغائي خاصة مع تآكل الحدود بينها في الراهن الثقافي اليوم وكيف يفسر ذلك تنامي مظاهر العنصرية الثقافية بين المجتمعات العالية اليوم هل هي نكوص للطبيعي بفعل الوصل بين الطبيعي والثقافي ؟؟ ولما تحقق فعلها العنصري تحديد ؟؟ ..لا أدري لفت انتباهي هذه الفكرة واتمنى ان اجد توضيحا من حضرتكم مع تقديري لجهودكم الفكرية المميزة …
الجواب:
الأداتي طبيعي والغائي ثقافي. الطبيعي حاضر على الدوام في أي واقع اجتماعي تاريخي، إنما الثقافي هو الذي يظهر فيقوى فيخفت حسب كل مرحلة وإنسانها، وهو مرتبط بتخلي الإنسان عن غفليته وإخلاده إلى وعيه وإرادته وحركته، فالمقصود بالثقافي هنا هو التاريخية بما هي فعل الإنسان وإرادته بما هما مؤثرين وفاعلين في الوجود الاجتماعي يصل في أقصى تأثيره إلى القدرة على جعل الطبيعي يتغير..
داخل أسئلة الفكر وأجوبتها

خبر صدور كتاب “أسس العلوم الاجتماعية” مع لمحة المؤلف عنه.

خبر إصدار كتاب

«أسس العلوم الاجتماعية.. وفق مقدمة ابن خلدون وشروح أبي يعرب المرزوقي» للباحث والأستاذ الدكتور محمد عبد النور، عبرصحيفة «أخبار اليوم»، العدد 5215، الصادر يوم الخميس 28 محرم 1446 هـ الموافق 1 أوت 2024 م، الصفحة رقم 16. عن أسس العلوم الاجتماعية.

إصدار جديد للدكتور محمد عبد النور. يصدر عن «جواهر للنشر والترجمة» بوهران – الجزائر، كتاب «أسس العلوم الاجتماعية.. وفق مقدمة ابن خلدون وشروح أبي يعرب المرزوقي» للباحث والأستاذ الدكتور محمد عبد النور. حيث تناول المؤلف عبر أكثر من 100 صفحة، فكرة معرفة العلوم الاجتماعية لـ«الواقع الاجتماعي»” بدقة بناء على حسن الاكتشاف واختبار “الـحقيقة الاجتماعية” التي تـحكم الواقع…

 

المزيد ›

داخل أبويعرب المرزوقي, شروح

لماذا نثق في العقل أكثر من الحواس؟

د. محمد عبد النور

تعتبر الحواس مصدر المعرفة الأولية بالعالم، تمنح الإدراك الإنساني صورة أولية عن العالم، كما أنها هي الوسيط الضروري الذي ينقل الشعور بالعالم إلى العقل، إلا أن المفارقة هي أن العقل رغم كونه متلقيا غير مباشر لحقائق العالم، إلا أنه هو الآلة الإنسانية الأكثر أمانة في فهمه وتفسيره من الحواس التي هي الوسيط المباشر بين الإنسان والعالم، فكيف ذلك؟ المزيد ›

داخل الملتقيات

حول سيادة الإنسان للطبيعة والشريعة، أو عن روح الاستخلاف.. محاولة

تختلف طبيعة الإنسان عن قوانين الطبيعة التي تسري قبل أن يوجد، وعن قوانين الشريعة التي جاءت بعد أن وجد، على أن مصدر الثلاث واحد، أعني الطبيعة والإنسان والشريعة تؤول إلى موجد واحد، ولما كان الإنسان خليفة عن الموجد في الأرض، اقتضى الأمر أن يكون سيدا عليها، فما معنى سيادة الإنسان على الطبيعة والشريعة؟
أن يتسيد الإنسان الطبيعة والشريعة يعني أن يخضعهما له ليكونا في خدمته، ولحصول ذلك لابد أن يحوز الإنسان طبيعة إنّية تمكنه من القدرة على “الحُكم” عليهما، وتسخيرهما إليه بحسب الحاجة، وتلك الإنية هي الفطرة، والفطرة حالة من الاتزان بين نوازع الغريزة ومتطلبات العقل، بحيث تصبح هي الأخرى أدوات في خدمة الإنسان، لنصل إلى المربع الذي يتسيده الإنسان(*):

المزيد ›

داخل المقالات, شروح

حول تأثير عصر التدوين ودلالات الحنيفية المحدثة

على هامش حلقات شرح كتاب تجليات الفلسفة العربية

يندرج بنا أبويعرب المرزوقي ضمن مؤلفه “تجليات الفلسفة العربية”(1) في سياق شديد التعقيل للتراثين الفلسفي والديني في النطاق العربي الإسلامي خلاصته العملية جرف كل السلفيات الدينية وكل الدغمائيات العقلية، وذلك بطرح جميع المدارس المذهبية الدينية والفلسفية على أرض التاريخانية حيث العائد العملي من ذلك دحض وتفنيد كل الإحيائيات المعاصرة -غربيا وعربيا- التي وجدت لها أرضا خصبا في ظل تدهور واضح للكدح العلمي والعملي عربيا وإسلاميا(2).

المزيد ›

داخل أبويعرب المرزوقي

توهّم الصّدق بوصفه أهم وأخطر معاني الوعي والإدراك الإنساني.

أو في العلاقة بين البداهة الحدسية والمعرفة العلمية.

ذكر ابن خلدون في سياق بيانه لأسباب تطرق الكذب إلى الأخبار -ومنه أسباب الأخطاء في التصورات والمواقف الإنسانية عامة- ما سمّاه بـ “توهم الصدق”، ويعني به أن يقين الإنسان لا يكون مبنيا بطريقة تضمن أن يقينه ذاك صحيح فعلا، فبيّن ابن خلدون أن من الأسباب المقتضية لهذا التوهم:

المزيد ›

داخل المقالات

في أن أصل احتقار المرأة هو تجاهل الفروق بين الجنسين

مع مقارنة بين الغرب المعاصر والنص الإسلامي في مسألة أخلاق الجنس(*)

يبني أبويعرب المرزوقي نظرته للعلاقة بين الجنسين على المسافة الفاصلة بين “المرغوب” في المرأة عند الرجل/ وفي الرجل عن المرأة، وبين “الحاصل” عند كليهما بالنسبة إليهما، وهو ما يسميه بالموجود والمنشود، فالموجود هو ما حصل من ارتباط فعلي بين رجل وامرأة، أما المنشود فهو ما في رغبة كل منهما أن يجده في الآخر؛ هكذا فالإنسان وبالضرورة منشطر وجوديا بين علاقته بزوجه -الذكر أو الأنثى- المرتبط به فعليا وبين تصوره عن زوج متخيّل تهفو نفسه إلى أن يتحقق(1)، وتلك هي العلاقة المبدئية التي تحكم كل امرأة ورجل مرتبطان بعقد زواج لتكوين أسرة(2). المزيد ›

داخل شروح
مارس 2026
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031  

الأرشيف

أحدث التعليقات

    إحصائيات الموقع

    223543
    اليوم : 97
    الأمس : 155
    هذا الشهر : 5250
    هذا العام : 17801
    مشاهدات اليوم : 116
    مجموع المشاهدات : 613825
    المتواجدون الآن : 1