عن مركزية التحرير الوجودي والمعرفي والتمكين العملي والقيمي
إن صياغة نظرية قادرة على تقديم وجودنا الاجتماعي التاريخي بضاعة نظرية مزجاة بإحداثياته الأساسية فهي المهمة التي يمكن أن تشكل جماع كل مخاض علمي-عملي فعلي سيكون نتيجة للمخاض ذاته، بقدر ما يسعى أن يكون علته التي تمسك به إلى بر أمانه. ثم من حق القارئ أن يسأل ما فحوى الأطروحة؟ أبالإمكان رسمها كخطاطة أولية تكون واضحة بما لا يترك مجالا للغموض؟
إن صورة النظرية أنها تنطلق من واقع إعادة التشكل الحاصل في الاجتماع البشري(1)، وأنها بالضرورة قائمة على ضرب من التوافقات والاتفاقات الضمنية التي تفرضها الوقائع والسياقات التي أصبحت أقوى وأكبر من أية قوة فعلية مهيمنة، حيث الأزمة الوجودية الحالية للبشر تجعلهم في موار ومخاض حقيقي بحثا عن حالة استقرار مستديم، في ذات الوقت الذي تنتفض فيه الإرادة الفردية وتتمرد كل مرة لتبحث عن انفصالها واستقلالها وحريتها المطلقة حد العبثية.
وبين إكراهات التاريخ اللاحمة ونوازع النفس نحو الانفلات، تأتي التعاقدية النقدية، لتقدم الصيغة التي طالما نظر إليها أنها مفارقة سرمدية لا حل لها، وهي تشكيل الإنسان يجمع بين أعلى درجات الاندماج الاجتماعي التنفيذي القيمي (البراكسيولوجي الأكسيولوجي) في ذات الوقت الذي يحتفظ فيه بأعلى مستوى من الاستقلال الفردي المعرفي الوجودي (الابستمولوجي الأنطولوجي).
حيث الفارق بين الحاصل اليوم الذي تفسره التعاقدية النقدية، والمأمول الذي تفتح إمكاناته النظرية والعملية التعاقدية النقدية أيضا، هو أنها تنظر إلى التقاطب بين الالتحام والانفصال بوصفه أمرا ممكنا، بعيدا عن مبدأ الراكب المجاني في التبادلية أو معضلة السجين في الاختيار العقلاني بوصفها ترتيبات نظرية للوقائع أكثر منها تفسيرات ذات قدرة قبلية وبعدية، عموما فإن الاختيار العقلاني هي ذروة تجليات الإعضال الميتافيزيقي في النظرية الاجتماعية الحديثة منذ نشأتها، حيث تجمع النظرية بين نزعتي التفسير النظري والتوجيه العملي، دون قدرة على الخروج من أفلاطونية المثل التي تسقط أفهامها الذهنية على الفهم والتوجيه معا.
ولنعرّج الآن لتحديد إمكانات التعاقدية النقدية، أولا المنطلق الابستمولوجي القول بإمكانية الجمع بين الالتحام الجمعي والتعقل الفردي، ذلك أن التجربة الحنيفية المحدثة الخام استطاعت أن تعطي خلاصة الاستبصار الفردي النقدي القادر على صهر الجمع داخل بوتقة تعاقدية مشتركة بحيث لا يفقد المنصهرون قدرتهم على الاستبصار النقدي وعلى العكس من ذلك يزداد اتقادا، وكذلك الصالح الفردي والعام المتجلي في الصيغ التعاقدية التي تجمع بين أقصى المنافع الخاصة والعامة؛ وبحيث تغدو اليد الخفية في المنظور الوظيفي (الرأسمالي اللبرالي) مجرد مبدأ نظري غير قادر على الصمود أمام مصالح العصب والجماعات، ذلك أن التعاقدية تستند إلى خطوط تشريع جامعة مانعة بما يقتضي الاتفاق على التفصيلات بصورة مستمرة ومتحركة، اتفاقات هي أصل وجوهر التعاقدية.
من الناحية العملية يبقى النظر في مدى التعاقد الأقصى الممكن ديمغرافيا، فهو ذو مرونة تتجاوز المجتمعات إلى ما وراء الحضارة المنبع ذاتها إلى البعد الكوني، وكذا نهج النقد الأعم بين الناس من كون الأداة مشتركة بين البشر وهي الحس، تعاقدية بمرونة عالية تتجاوز الاعتباطية الظرفية في التشريع التي لا تبنى إلا على مصالح فئات على أخرى، ونهج بشمول أكبر يتجاوز الطرق الذاتية المبهمة أو الصناعية المتكلفة التي تسعى لكوننة طرق ذاتية إلى التجريب بالمعاينة والتجربة المباشرة للأشياء بحثا عن الصواب أو تقييما لحدث أو غرض.
ذلك أن الالتحام يصبح ممكنا مع البعيد دون فقدان الحس النقدي مادام النهج واحدا وهو التحقق المباشرة بالمعاينة والتجربة المباشرة والتجربة المعيشة، وألا يكون النتيجة المنطقية للنقد المعرفي هي الانفصال القيمي، وأن النتيجة الحتمية للالتحام القيمي هي العزلة أو التمرد الفردي، بما هو المنطق الدارج في أدبيات علم الاجتماع الراسخة، وعلى العكس من ذلك فإن الالتزامان: النقد والاندماج ممكنان من حيث اختلاف طبيعتهما، وأن مصدر الدمج غير الصائب بينهما هو عدم القدرة على فصل المعرفي الوجودي عن القيمي والعملي(2).
وبفضل البعدين التعاقدي الحر والنقدي الحسي، تصبح الدولة الكونية ممكنة التحقيق، وقبل ذلك التأسيس للمجتمع والمواطن العالمي، تكون فيه التجربة منافية لتراتبية دولة المثل الأفلاطونية التي تقوم على حتمية الاستغلال، وتجربة منافية لمركزية التشريع البابوي التي تقوم على حتمية الاستعباد، حيث الابتعاد عن النظرة الثبوتية الواقعية للاجتماع الإنساني وبناه المؤسسة إلى التحققية المسميات الحسية والمؤدية للخيال المبدع، وحيث الابتعاد عن النظرة التحجيرية الماهوية للعلاقات الإنسانية وتشريعاته المنظمة إلى التعاقدات الحرة والمؤدية للحركيات التمكينية.
والمحصلة هي ان التعاقدية النقدية ذات نزعة تفكيكية للحاصل في ذات الوقت الذي تمثل فيه بناء مستقبلي يعيد فيه هندسة الاجتماع الإنساني وفق ميتافيزيقا وابستمولوجيا بديلتين، يبقى أن القصد من “الملامح” في العنوان هو أنها كما تقدم تركيب تجميعي للحاصل ليس من اجتهادات فقط إنما أيضا يقرن كل ذلك وجه عملي مؤسس هو التنوير بقدرات الإنسان المطمورة بفعل تغول التاريخ حضور الماضي السالب في الإنسان المعاصر وتغول الجغرافيا فيه حضور الحاضر الاستلابي في الإنسان المعاصر اليوم، وكذا الوقائع الدالة على قابليات التحرر والحركية الذاتيين. وللحديث بقية وتفصيل. د. محمد عبد النور 05.09.2026
الهوامش:
(1)- من المهم الإيضاح بدقة إلى أن “التعاقدية النقدية” هنا، تطرح نفسها كتفسير للحاصل من الحاصل في الاجتماع الإنساني، باعتباره “فهما للعالم كما هو” في ذات الوقت الذي تنحو فيه منحى التنوير والتغيير إلى نموذج اجتماع إنساني بديل باعتباره “ما يجب أن يكون”، لكنه ما يجب يستند إلى السياق دون السقوط في فخاخ الإسقاطات المثالية على الواقع سواء كانت مبادئ أو تشريعات، وتلك هي الميزة التي تدعيها هذه النظرية لنفسها.
(2)- يبقى من الأهمية كذلك بيان أن المسار التاريخي ينحو باتجاه عدم احتمال بلوغ الملكة الفردية في النقد درجة الانقلاب على مقتضى الاندماج التام، مادام قد اتضح أن الصراع هو بين نموذج الاندماج الناقد ونموذج الفردانية المطلقة التي لا تلتحم إلا بالإكراه.
أحدث التعليقات